ابن خلدون

293

رحلة ابن خلدون

ذلك الضرّر في الأوقاف ، وطرق الغرر « 1353 » في العقود والأملاك . فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم عليّ وأحقدهم ، ثم التفتّ إلى الفتيا بالمذهب ، وكان الحكّام منهم على جانب من الخبرة ، لكثرة معارضتهم ، وتلقينهم الخصوم ، وفتياهم بعد نفوذ الحكم ، وإذا فيهم أصاغر ، بيناهم يتشبّثون بأذيال الطّلب والعدالة ولا يكادون ؛ إذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتّدريس ، فاقتعدوها ، وتناولوها بالجزاف ، واحتازوها من غير مثرّب « 1354 » ولا منتقد للأهلية ولا مرشّح ، إذ الكثرة فيهم بالغة ، ومن كثرة السّاكن مشتقّة ، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق ، وعنانها مرسل ، يتجاذب كلّ الخصوم منه رسنا ، ويتناول من حافته شقّا ، « 1355 » يروم به الفلج « 1356 » على خصمه ، ويستظهر به لإرغامه ، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه ، وكفاء أمنيته ، متتبّعا إيّاه في شعاب الخلاف ، فتتعارض الفتاوى وتتناقض ، ويعظم الشّغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم ، والخلاف في المذاهب كثير ، والإنصاف متعذّر ، وأهلية المفتي أو شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامّي ، فلا يكاد هذا المدد ينحسر ، « 1357 » ولا الشغب ينقطع . فصدعت في ذلك بالحقّ ، وكبحت أعنّة أهل الهوى والجهل ، ورددتهم على أعقابهم . وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب ، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك ، لا ينتمون إلى شيخ مشهور ، ولا يعرف لهم كتاب في فن ، قد اتخذوا الناس هزؤا ، وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض ، ومأبنة « 1358 » للحرم ، فأرغمهم ذلك منّي ، وملأهم حسدا وحقدا عليّ ، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكّان الزّوايا المنتحلين للعبادة ، يشترون بها الجاه ليجيروا به على الله ، وربّما اضطرّ أهل الحقوق

--> ( 1353 ) الغرر : الخطر . ( 1354 ) المثرب : اللائم . ( 1355 ) الشق ( بالكسر ) : الجانب . ( 1356 ) الفلج : الظفر والفوز ، والاسم بالضم . ( 1357 ) ينحسر : ينقط . ( 1358 ) مأبنة : مكانا للاتهام بالشر .